سيتم نشركامل التقريرالمترجم الى العربية قريبا على هذا الموقع الالكتروني.

إشراك القادة الدينيين العراقيين ضمن سياق ما بعد داعش في بناء السلام والمصالحة آن وينسكوت

الملخص

تتمتع الجهات الفاعلة الدينية في العراق على اختلاف انتمائها الديني بقدرة واسعة على التأثير، وينظر لها المجتمع باعتبارها صاحبة دورٍ في تعزيز سير البلاد نحو السلام؛ على أن إشراك هذه الجهات في المصالحة لا يعني بالطبع ضمان نجاح المصالحة، لكن استبعادها سيؤدي لا محالة للفشل. الأقليات الدينية جزءٌ مهمٌ في هذا المشهد المعقد. ولا شك أن التصدي للتحديات التي تواجههم أمرٌ ضروريٌ لتعزيز جهود السلام والمصالحة المنطلقة من الاعتراف بتعدد الأديان.

لقد عبر عدد كبير من المجيبين على الاستبيان عن موافقتهم، بل وعن رغبتهم الحقيقية، في أن يتم إشراك الجهات الفاعلة الدينية في العديد من الجهود الرئيسية المتعلقة ببناء السلام مثل مكافحة التطرف والطائفية، وتصحيح المفاهيم الخاطئة عن الأديان الأخرى، وتعزيز المصالحة الاجتماعية على المستوى المحلي، وتمثيل المواطنين فيما يتصل برفع شكاواهم للسلطات السياسية. بالإضافة إلى ذلك، فقد كشفت الدراسة الماثلة عن وجود عدد من النزاعات ذات الأبعاد الدينية في أوساط المجتمعات الدينية وفيما بينها، وأن الجهات الفاعلة الدينية قد تلعب دورا مهما في التخفيف من حدة هذه النزاعات. 

إن المواقع الإلكترونية والمدونات والوسائط الأخرى تُعتبر مصادرَ أساسيةً للإرشاد الديني. كما إن للقنوات التلفزيونية الدينية والمحطات الإذاعية والشخصيات الدينية تأثيرا كبيرا في وعي المواطنين على مستوى صياغة المواقف والتصورات المختلفة. في نفس الوقت، فقد لوحظ أن ظاهرة بروز حركات دينية تضم أعضاء ينتمون لطوائفَ مختلفةٍ هي ظاهرةٌ آخذةٌ في الاتساع. من الأمثلة على ذلك الطريقة الصوفية الكسنزانية وطائفة الداعي رباني في ديالى اللتان تضمان مريدين من السنة والشيعة. ولعل ذلك ما يتيح الفرصة لقادة هذه الحركات لريادة جهود المصالحة فيما بين الطوائف المختلفة.

وإذ يسعى بناة السلام وصنّاع السياسات لتأسيس شراكات مع الجهات الفاعلة الدينية العراقية والمؤسسات الدينية ضمن سياق جهود بناء السلام، فإنه عليهم أن يكونوا حساسين لطبيعة المجتمعات الدينية والجهات الفاعلة الدينية، وهي طبيعة معقدة بكل تأكيد، وأن يحرصوا على ضمان إشراك جميع الأطراف، وأن ينتبهوا لتأثير هذا الإشراك في الشرعية المتصورة التي تتمتع بها الجهات الفاعلة الدينية.

خاتمة وتوصيات

من عواقب مرحلة تنظيم داعش حدوث تحولات جوهرية في المشهد الديني في العراق. وفي معرض الاستجابة لتلك التحولات، أجرى القادة الدينيون تعديلات فيما يتصل بممارسة الشعائر الدينية، وبالتصورات التي يحملونها، وفيما يتصل بالنصوص المعتمدة لديهم. لقد تغيرت الضوابط الحاكمة للعلاقات بين المجتمعات والمؤسسات الدينية. بعض المجموعات الدينية عززت التعاون القائم بينها، بينما تراجعت العلاقات بين مجموعات أخرى ويبدو أن هذا التراجع سيدوم طويلا.

كما أدى سياق ما بعد داعش لاستحداث فرصٍ جديدةٍ وحاجاتٍ جديدة بالنسبة للجهات الفاعلة الدينية العراقية لتعزيز جهود السلام والمصالحة. وهي تستند في ذلك على مواردها وعلى آليات التأثير الخاصة بها على النحو المبين في هذه الدراسة. على سبيل المثال، لاحظنا في أوساط المجتمع السني على وجه الخصوص أن عددا كبيرا من المجيبين قد أفادوا أن الجهات الفاعلة الدينية مؤهلةٌ أكثر من غيرها للتدخل في النزاعات التي تتضمن إقدام مواطن على اتهام جارٍ له بأنه كان عضوا في داعش. فضلا عن ذلك، فقد أفاد المجيبون من جميع المجتمعات الدينية أن الجهات الفاعلة الدينية تعتبر الجهة الأفضل التي يمكنها الإسهام في الجهود المبذولة لمنع ظهور نسخة جديدة من أيديولوجية داعش (SISI 0.2) والتصدي لأشكال التطرف الأخرى.

كما أدت عملية إعادة الإعمار خلال مرحلة ما بعد داعش إلى بروز توترات جديدة في أوساط المجتمعات الدينية العراقية وفيما بينها والتي لابد من معالجتها في إطار الجهود الهادفة إلى تعزيز السلام. لقد أدى تدفق المساعدات إلى اقتتال داخلي بين المسيحيين وغيرهم من الأقليات. وتخشى المجتمعات الشيعية، وخاصة تلك الموجودة في الجنوب، أن تتلقى المجتمعات السنية المزيد من المساعدات لإعادة الإعمار بينما يتركون هم في حال أقل تطورا. كما يخشون من عدم الاعتراف بالتضحيات التي قدمها الجنود الشيعة الذين قُتلوا في الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية. وعليه، فإنه يمكن للجهات الفاعلة الدينية أن تلعب دورا في التخفيف من حدة هذه النزاعات وغيرها، لا سيما النزاعات التي لها بعد ديني أو النزاعات التي تحصل بين أطراف ذات هويات دينية مختلفة.

وإذ تبرز هذه الفرص الجديدة، فإن هناك محاذير هامة تتصل بها. فأي جهود تبذلها، ويمكن أن تبذلها، الجهات الفاعلة الدينية للتخفيف من حدة النزاعات، ولبناء المصالحة في أوساط المجموعات الدينية المتنوعة وبينها، ولدعم السلام على نطاق أوسع، لابد أن تمضي بحذر؛ كذلك الشراكات التي تؤسس بين صنّاع السياسات المحليين والخارجيين والعاملين لبناء السلام كطرف، وبين الجهات الفاعلة الدينية كطرف آخر. وينبغي أن تراعي هذه الجهود قلق المجتمع من تورط الجهات الفاعلة الدينية في السياسات الحزبية، وكيفية تأثر نفوذ الجهات الفاعلة الدينية في المجتمع بعلاقاتها بأطراف أجنبية، وما إذا كانت تلك العلاقات تؤدي إلى تعزيز تأثيرها أو الحد منه؛ وأن تكون حساسة تجاه قلق المجتمع من حضورها في الإنترنت، ومدى تلبيتها لاحتياجات المجتمع.

بشكل عام ومهم جدا، على صنّاع السياسات وممارسي العمل العام أن يضمنوا أن هوية الأطراف التي يؤسسون الشراكات معها في الساحة الدينية، وكذلك طريقة تأسيس تلك الشراكات، تعكس الهدف الذي يسعون إلى تحقيقه وهو بناء دولة عراقية ومجتمع عراقي قائمة على المشاركة الشاملة لكل الأطراف وحيث مكونات المجتمع المتنوعة تتعايش بسلام.

إشراك الجهات الفاعلة

كشفت المقابلات التي أجريناها عن أن تصورات العراقيين للمصالحة تصب في ثلاثة توجهات. أولا، لوحظ أن المواطنين العراقيين يفرقون بين المصالحة السياسية أو الوطنية في جهة وبين عمليات المصالحة المجتمعية أو المحلية في جهة أخرى. ثانيا، لوحظ وجود رغبة لدى العراقيين أن يتم إشراك الزعماء الدينيين في المصالحة المجتمعية (على المستوى المحلي)، لكن ليس في المصالحة السياسية (على المستوى الوطني)، (أو في السياسة الوطنية عموما). أخيرا، لوحظ وجود رغبة لدى العراقيين أن تشارك الأقليات الدينية مشاركة جوهرية في جهود المصالحة المجتمعية.

ولقد أخذ الزعماء الدينيون العراقيون يشاركون فعلا في جهود تصب في تعزيز المصالحة في أوساط مجتمعاتهم، وأحيانا في جهود تصب في تعزيز المصالحة بين تلك المجتمعات. وهم يستندون في ذلك على مبادئ دينية، كما يوظفون الشعائر والمناسبات الدينية لتحقيق ذلك. قدر كبير من هذه الجهود كانت بدافع شخصي وظرفي يعوزه التنسيق، رغم أنها جهود واعدة. ومع ذلك، فإن بعض الجهات الفاعلة الدينية لديها حذر من المشاركة في جهود المصالحة الرسمية، وهو حذر متفهم.

أصبح كثير من العراقيين ينظرون إلى عمليات المصالحة السابقة باعتبارها مراتع فساد. لذلك، هناك حاجة ماسة لإنشاء آليات مؤسسية لحماية جهود المصالحة على المستوى الوطني من تيسير الحصول على مكاسب شخصية لأولئك المشاركين فيها. على المستوى الوطني، قد تكون الجهات الفاعلة الدينية قادرة على أن تمارس دور الضامن لعمليات مصالحة أكثر رسمية لضمان أن هذه العمليات تخضع للمساءلة وَفق مجموعة من المبادئ على رأسها الشفافية والمساءلة المجتمعية، بشرط ألا يحصل تشابك بين دور الجهات الفاعلة الدينية وبين العمليات السياسية على نحوٍ يشوهُ صورتها. على المستوى المحلي، بينما تحوم الشكوك حول مصداقية بعض السياسيين، فإن الجهات الفاعلة الدينية التي تتمتع باحترام واسع ونفوذ كبير عادة ما يكون لديها المصداقية التي تؤهلها أن تشرف على عمليات المصالحة أو أن تلعب دور الميسر لتلك العمليات.

إن الشراكات التي تؤسس مع الجهات الفاعلة الدينية فيما يتصل بجهود المصالحة يجب أن تراعي المسائل التالية.

أولا، يجب على صنّاع السياسات وممارسي العمل العام مراعاة التعقيدات الموجودة في أوساط المجتمعات الدينية، والتعقيدات ذات الصلة بعلاقات تلك المجتمعات ببعضها، ومراعاة كيفية تقاطع أدوار الجهات الفاعلة الدينية والمؤسسات الدينية مع أدوار الجهات الفاعلة السياسية، ومع المؤسسات السياسية، ومع القضايا التي تؤثر في النزاع الأوسع في العراق، مثلما استعرضَ في هذا التقرير.

إن تأسيس الشراكات بين الأطراف الدولية المعنية وبين الجهات الفاعلة الدينية في العراق يؤثر في نفوذها وفي نظرة مجتمعاتها لها.

إذا ما أديرت بحكمةٍ، فإن تحالفات الجهات الفاعلة الدينية العراقية مع الجهات الفاعلة الأجنبية – بما في ذلك الدبلوماسيون وبناة السلام والزعماء الدينيون العالميون – يمكن أن تؤدي إلى بروز أصوات ذات مصداقية وذات تأثير أكبر، وإلى مبادرات فعالة للحد العنف والمصالحة. بناء على ذلك، لابد من بذل عناية لرصد أي من الشراكات مع أطراف أجنبية مفيدة، وفي أي الحالات، لضمان ألا تُؤدي الشراكات مع الخارج إلى الانتقاص من مصداقية الجهات الفاعلة الدينية. على سبيل المثال، لوحظ أن دعم السعودية لجهود الزعماء المسيحيين في المصالحة كانت مفيدة. في المقابل، اعتبر الدعم من قبل إيران للقيادة الشيعية فيما يتصل بجهود المصالحة في البصرة أنه مدفوع بدوافع سياسية. وعلى وجه الخصوص، نجد أن الزعماء الدينيين الذين يعتبرهم المجتمع على علاقة مع الولايات المتحدة أو الغرب تتأثر مكانتهم سلبا في الوعي العام بسبب ذلك، ويُخرجهم المواطنون من حساباتهم، وتتراجع قدرتهم على التأثير تراجعا حادا.

إنه من الضروري بذل جهد إضافي لرصد ودعم الجهات الفاعلة الدينية النسوية والشبابية التي تلعب أدوارا مؤثرة في مجتمعاتها في دعم السلام، وذلك اعترافا بقدرة هذه الجهات الفاعلة في تشكيل المواقف والسلوكيات المجتمعية، وكذلك لضمان ألا يؤدي إشراك الجهات الدينية إلى تعزيز الهيمنة الذكورية. وبالمثل، ينبغي لجهود إشراك الجهات الفاعلة الدينية أن تعطي الأولوية لإشراك قادة الأقليات الدينية نظرا لما يعانونه من مخاطر متزايدة والأولويات الخاصة بهم، ولضمان ألا تؤدي جهود إشراك الجهات الفاعلة الدينية إلى مضاعفة هيمنة المجتمعات الإسلامية. لقد برزت مواقف متشككة بين أوساط المجتمعات العراقية بشأن انخراط الجهات الفاعلة الدينية في جهود السلام. وعليه، فإنه قبل توسيع نطاق ذلك الانخراط أو تعزيزه، سيكون من الحكمة، لتيسير الحوار بين الجهات الفاعلة الدينية ومجتمعاتها المحلية، فهم هذه الشكوك وضمان تفهم الجهات الفاعلة الدينية لطموحات وشواغل مجتمعاتها، والعكس بالعكس. ولعله من الضروري عدم الضغط على الجهات الفاعلة الدينية لإصدار بيانات متكررة حول قضايا الشأن السياسي على المستوى الوطني لأن هذا يمكن أن ينتقص من قدرتها على التأثير ومصداقيتها أمام أفراد المجتمع. فعلى وجه العموم، يفضل المجتمع أن يظل قادته الدينيون أكثر تركيزا على القضايا المتصلة بالشواغل الروحية والشواغل المجتمعية والمحلية.

على نحو منفصل، يمكن لمبادرات تعزيز المصالحة ضمن سياق الشراكة مع الجهات الفاعلة الدينية أن تشمل التعاون والتواصل مع وسائل الإعلام. وعلى وجه الخصوص، فإنه يمكن لبرامج التعاون هذه أن تركز على التنسيق مع الجهات الفاعلة الدينية التي هي بالفعل تستجيب لاحتياجات مجتمعاتها المتضررة من النزاع، أو التي ترغب المشاركة في ذلك مشاركة أكبر. ويمكن بذل هذه الجهود في أوساط كل من المجتمعات الدينية، كما يمكن بذلها ضمن برامج التعاون بين المجتمعات الدينية، حيثما كان ذلك ملائما، وبذلك يتسنى تعميق التفاهم المنطلق من الاعتراف بتعدد الأديان وفي الوقت نفسه تعزيز العلاقات بين أتباع تلك الديانات. مثل هذه الشراكات التي تُؤسس لدعم هذا المسعى قد تتطلب برامج بناء القدرات، المساعدة في تصميم وتنظيم وتنفيذ المشاريع، أو تبادل الزيارات مع بلدان شهدت سياقات مناظرة لما بعد انتهاء النزاع لعبت فيها الجهات الفاعلة الدينية دورا هاما في جهود المصالحة. ويمكن لذلك أن يشمل أي عدد من المشروعات.

على سبيل المثال، يمكن تعزيز الجهود لتوفير دعم لعلاج الصدمات النفسية، وذلك باستخدام الأشكال التقليدية للرعاية العلاجية، وكذلك الشعائر الدينية وممارسات الاستشفاء التي تسهل التعافي، وذلك نسجا على منوال نهج بابا الشيخ في المجتمع اليزيدي. كما يمكن إعادة استخدام الرقية أو ممارسات الاستشفاء الإسلامي للمساعدة في التعامل مع الصدمات الفردية والمجتمعات المنكسرة.

هذا، ويمكن تقديم الدعم للجهات الفاعلة الدينية لتطوير قدرتها على فهم احتياجات مجتمعاتها وتقديم خدمات المناصرة لها أمام السلطات المحلية (بما في ذلك احتياجات مجتمعاتها الدينية وغيرها من المجتمعات الدينية التي يجمعها بها العيش المشترك). وقد تشمل جهود التيسير عودة المجتمعات النازحة، وإيجاد بيئة مرحبة وآمنة، وكذلك مساعدة تلك المجتمعات على إعادة البناء، وتوفير الإغاثة والدعم لهم على المدى القصير لاستعادة مصادر رزقهم، والمساعدة في تخفيف حدة النزاعات التي تنشأ بين المجتمعات العائدة وأولئك الذين بقوا.

هناك إمكانات حقيقية كامنة في المبادرات التي تهدف إلى المساعدة في تخفيف النزاعات المحلية في أوساط المجتمعات الدينية وفيما بينها. هذه النزاعات تشمل الخلافات التي حصلت فيما يتصل بالسياسة الغذائية في جميع أنحاء الشمال، والخلافات التي حصلت فيما يتصل بأوضاع ذلك العدد المتزايد من الأفراد الذين يُعرِّفون أنفسهم بأنهم ملحدون أو الذين ينتقدون المعتقدات والممارسات الدينية السائدة، والتوترات المرتبطة بتوصيل المساعدات (خاصة في المناطق التي كانت خاضعة لسيطرة تنظيم داعش). والتوترات بين أتباع الشيرازيين وأتباع مرجع النجف، كما تشمل النزاعات الأخرى التي أشرنا لها في هذا التقرير. بالإضافة لما سبق، فمع عودة المجتمعات المسيحية إلى المناطق التي كانت في السابق تحت سيطرة داعش، يجب على بناة السلام اغتنام فرصة انعقاد الأنشطة المسكونية ــــ التي تجتمع فيها مختلف أطياف المجتمعات المسيحية ــــ من أجل السعي لتخفيف حدة الصراع الداخلي بين المجموعات المسيحية.

قد تهدف برامج أخرى إلى إيجاد بيئة تتسم بالتعايش السلمي والثقة المتبادلة والاحترام. وسيكون النجاح مآل هذه الجهود إذا ما اشتملت على الآتي: أولا، تأسيس حوار مستمر ومنتظم فيما بين أتباع كل طائفة دينية وفيما بين الطوائف الدينية لمعالجة الشواغل التي تنطوي على حساسية أو الافتراضات السائدة التي تولد عدم الثقة؛ ثانيا، التعاون المنطلق من الاعتراف بتعدد الأديان لمعالجة الشواغل المشتركة على المستوى المحلي وللدعوة إلى عدم التمييز على أساس الهوية وعلى أساس الممارسة الدينية على المستوى الوطني؛ ثالثا، إقدام كلٍّ من المجتمعات الدينية على تطوير الأفكار والممارسات التي تعزز التفاهم حول التنوع الديني في العراق.

أخيرا، قد يكون التعاون مثمرا كذلك إذا ما تضمن التنسيق مع السلطات الدينية التي تستخدم أساليب مبتكرة فيما يتصل بتطوير الفتاوى، وذلك بغية رصد الأحكام الشرعية التي تحض على المصالحة والتعايش والسلام، وصياغة التوجيهات الشرعية التي تحض على ذلك.

في سياق منفصل، يمكن إنشاءُ منصات إعلامية لتسهيل إشراك أتباع الأديان المختلفة، وزيادة فهم طبيعة المجتمعات الدينية المتنوعة في العراق، ودعم الحرية الدينية لأصحاب المعتقدات في جميع المجتمعات الدينية ولمن ليس لديهم معتقدات. أيضا، هناك حاجة إلى برنامج تلفزيوني يوفر منصة لعمليات إشراك هؤلاء المواطنين والمنطلقة من الاعتراف بتعدد الأديان والتفاهم. ولا شك أن وسائل التواصل الاجتماعي ستمثل هي الأخرى منصة مهمة لإنجاح هذا المَسعى.

هذا، ويجب تطوير برامج خاصة للتوعية وإعادة الدمج في المناطق المحررة من تنظيم داعش. ولعل ما أهمها إعادة دمج مجتمعات الأقليات، وكذلك أفراد أسر أعضاء داعش الذين لم يكونوا جزءا من داعش لكنهم تعرضوا للإقصاء بسبب صلتهم تلك. وبالنسبة لكل من الطرفين، يجب إعادة بناء الثقة فيما بينهم وبين مجتمعاتهم حتى يتمكنوا من العودة إلى مجتمعاتهم ومَعَايشهم.

وفي تحديد الجهات الفاعلة الدينية التي ينبغي تأسيس شراكات معها فيما يتصل بجهود المصالحة، فإنه يجب على صانعي القرار وممارسي العمل العام مراعاة أن طبيعة الجهات الفاعلة الدينية طبيعة معقدة، كما هو حال مجتمعاتها. ويجب أن يكون واضحا أن من قد يتسمون بالاعتدال في بعض الجوانب قد يأتون بممارسات تنطوي على إهدار لحقوق الإنسان في جوانب أخرى. ويجدر إشراك الزعماء الدينيين الذين يمثلون جميع الديانات إشراكا جادا ودون تأخير. وتأتي على رأس قائمة الشركاء ذوي الأدوار الهامة الجهات الفاعلة الدينية التي تحسن التواصل مع مجتمعاتها، والتي تحسن تأسيس الشراكات معها، والتي تتواصل مع مجتمعاتها تواصلا يؤدي إلى امتلاك العراقيين لعمليات السلام والمصالحة.

إن الجهات الفاعلة الدينية ذات الحضور الإعلامي القوي في الإنترنت – أو التي لديها استعداد لبناء حضور قوي في الإنترنت – يمكن أن تكون شريكا ذا تأثير واسع في بعض المشروعات، لا سيما تلك المشروعات التي تهدف إلى تعزيز السلوكيات التي تنطوي على احترام التنوع واحترام السرديات الدينية الداعمة للسلام. بالمقابل، وبالنسبة للجهات الفاعلة الدينية التي يرى الناس أنها تتباهى بالثراء، أو التي تتسم سلوكياتها بعدم التواضع، فإن احتمالات ثقة مجتمعاتها بها ضئيلة، وإن احتمالات تمتعها بقدرة على التأثير وسط مجتمعاتها ضئيلة.

هذا ولا شك أن جهود المصالحة ستستفيد من إشراك القيادات الدينية النسوية التي تتمتع بقدرة على التأثير على المستوى المحلي، خاصة عن طريق صلة القرابة والتدريب. على سبيل المثال، يمكن للنساء اللاتي يمارسن دور المُلَّاية بين الشيعة أن يصبحن شريكات رئيسيات لا سيما فيما يتصل بتلبية احتياجات النساء في أعمال السلام والمصالحة. وباستطاعة الراهبات الكاثوليك فِعل ذلك أيضا، وربما النساء اللاتي ينتسبن لعائلات عُرفت بأنها صاحبة دور ديني. إن وسائل التواصل الاجتماعي تعتبر موردا لم يتم استغلاله حتى الآن بالنسبة للقيادات الدينية النسوية العاملة في بناء السلام لكسب النفوذ والتأثير من خلال الأتباع، فضلا عن أن ذلك يتيح للقيادات الدينية النسوية تجاوز المؤسسات الأبوية والأنظمة الأبوية التقليدية.

إن صنّاع السياسات وممارسي العمل العام بحاجة إلى إدراك أن الزعماء الدينيين الشيعة هم من يحدد للمجتمعات الدينية الأخرى أهم الضوابط التي تحكم الساحة العامة في بعض الأحيان. وعليه، فإنه قد تكون للتدخلات التي تصمم بعناية بالتشاور مع قادة الشيعة نتائجَ إيجابية أوسع. هذا، وإن التفكير خارج حدود العراق أمرٌ ضروريٌ عند النظر في إشراك الجهات الدينية في جهود بناء السلام، مثلما هو ضروري إدراك القدرة على التأثير والشعبية التي تحظى بها شخصيات دينية دولية بين أوساط العراقيين، حتى مع مراعاة الكيفية التي قد تؤثر بها هذه الشخصيات الدولية في مشروعية الجهات الفاعلة الدينية المحلية.

إشراك المؤسسات

تعتبر المؤسسات الحكومية، مثل وزارة الشؤون الدينية، ومجلس دار الإفتاء، أو الأوقاف السنية والشيعية، جهات شريكة محتملة فيما يتصل بالمصالحة وبناء التماسك الاجتماعي والتسامح والاحترام في المجتمعات الدينية. وقد تكون الكليات الدينية والمعاهد الدينية أيضا جهات مثالية لنشر القيم التي تعزز بناء السلام بين طلابها، كما إنها قادرة على تعليم الملتحقين بها مفاهيم السلام وفض النزاعات تعليما شاملا، كما يمكن توظيفها في تدريب العاملين بالجهات الفاعلة الدينية الرسمية.

أما خارج المؤسسات الرسمية للتعليم الديني، فقد تستفيد جهود المصالحة من الأهمية المتزايدة للحسينيات بين الشيعة. وستكون هناك حاجة أيضا إلى الجهود التي تستهدف ذلك العدد المتزايد من الأفراد الذين نسميهم شيعة مترددين. فهؤلاء من غير المرجح أن يستفيدوا من التعاون مع الحسينيات.

بجانب ذلك، إن نشر المعرفة بالأديان في جميع أنحاء البلاد يجب أن يكون أولوية. ذلك أن القنوات التلفزيونية والإذاعية الدينية تتمتع بمتابعة كبيرة في المجتمع العراقي. وهي توفر منصة للجهات الفاعلة الدينية للتأثير في سلوكيات المواطنين وممارساتهم. ليس هذا فحسب، بل توفر أيضا برامج تمثل مداخل فعالة لرسائل معدة لنشر قيم المصالحة وبناء السلام، وفي نفس الوقت هي مساحات تستطيع الجهات الدينية الفاعلة توظيفها للتأثير في المجتمع بنجاح.

ومن الطرق الأخرى لإشراك المؤسسات الدينية تأسيس الشراكات مع كليات الشريعة والمعاهد الدينية وغيرها من المؤسسات التعليمية الدينية لمساعدتها على إقامة دروس تتناول الحوار وفض النزاعات وبناء السلام والتعافي من الصدمات. كما يمكن للمدارس الحكومية أن تدمج بناء السلام في المناهج الدراسية. والتعاون مع المعاهد الدينية والمدارس، لا سيما تلك التي أخذت تجري مراجعات فيما يتصل بالكتب المقررة لديها ومناهج التعليم، يعتبر فرصة أخرى تحديدا للعمل على إزالة المسوغات الدينية للعنف تجاه المجتمعات الدينية الأخرى وإدراج نصوص دينية تحض على التسامح والاحترام فيما بين المجتمعات الدينية. ويمكن استكشاف كيفية تأسيس شراكات مع الحسينيات كي تستحدث مواد تعليمية حول السلام، وبناء القدرات لفض النزاعات، وإيجاد مساحة للحوار بين الأديان، وبناء التسامح والاحترام بين الطوائف، بما في ذلك بين النساء والشباب.

بجانب ذلك، يمكن استكشاف الفرص المتاحة للتعاون مع الحركات الدينية الجديدة متعددة الطوائف، مثل حركة الداعي رباني في ديالى والطريقة الصوفية الكسنزانية. هذه الجهود يمكن أن تتيح فرصة أخرى لتأسيس شراكة مع مجموعات قد بدأت بالفعل تتصدى للتوترات القائمة بين أتباع الطوائف المختلفة. وعندما تُنجز الهيئاتُ الحكومية مثل وزارة الشؤون الدينية أو الأوقاف السنية أو الشيعية توحيد الخطب، ستتاح فرصة أخرى للعمل مع هذه المؤسسات لتشجيع نشر القيم التي تشجع على السلام والتسامح والاحترام والمصالحة بطرق لا تقيد حرية التعبير أو الحرية الدينية. ولا شك أن الشراكة مع الشبكات الدينية الكبرى يمكن أن تكون خطوة بناءة، خاصة تلك الشبكات التي تشارك في تقديم الخدمات الاجتماعية، وذلك لدمج البرامج التي تشجع على التسامح والاحترام والتماسك الاجتماعي والمصالحة. وقد يكون من الممكن العمل مع هذه الشبكات في بناء الثقة بين المجتمعات الدينية في المناطق التي سبق أن سيطر عليها تنظيم داعش.

أما الخيار الأخير فهو إنشاء آلية مؤسسية تسمح وتمكن المواطنين العراقيين من أن يكون لهم رأي فيمن يمثلهم وينوب عنهم في حوارات المصالحة على المستويين الوطني والمحلي. ويجب أن يكون واضحا أن هؤلاء النواب لا يتضمنون الجهات الدينية الفاعلة فحسب، بل يتضمنون أيضا زعماء القبائل وممثلي المجتمع المدني وممثلي المجتمع الاقتصادي وممثلي المجتمع السياسي.

المؤلفة في سطور

آن وينسكوت أستاذة مساعدة للعلوم السياسية بجامعة ميامي في أوهايو. وهي متخصصة في الأشكال المعاصرة للتنظيم الديني في المجتمعات الإسلامية. من عام 7102 إلى عام 8102، شغلت منصب زميل لوس في الدين والشؤون الدولية في المعهد الأمريكي للسلام. صدر لها «تحويل الإسلام شأنا بيروقراطيا: المغرب والحرب على الإرهاب»، الذي نشرته دار النشر التابعة لجامعة كامبريدج في عام 7102.

Related Publications

Escape from ISIS: One Family’s Story

Escape from ISIS: One Family’s Story

Tuesday, December 3, 2019

By: Fred Strasser

The horrific story of ISIS’s bid to wipe out Iraq’s Yazidi minority is fairly well known in the United States. At least in broad terms, Americans who pay attention to such things understand that the terrorist group’s fanatical gunmen rolled in on a defenseless people, butchered men and boys by the thousands and hauled away young women into sexual slavery in a genocidal plan.

Type: Analysis and Commentary

Human Rights; Violent Extremism

Iraq’s protesters just ousted a prime minister. Now what?

Iraq’s protesters just ousted a prime minister. Now what?

Monday, December 2, 2019

By: Dr. Elie Abouaoun; Sarhang Hamasaeed

Iraq faces a new political crisis and the risk of more violence after its prime minister, Adel Abdul Mahdi, resigned under pressure from two months of mass demonstrations by youthful protesters. More than 400 people have been reported killed amid authorities’ forceful attempts to disperse the youthful protesters, who say a corrupt elite is failing to provide basic government services and share the country’s wealth with citizens. But Abdul Mahdi is stepping down only after Iraq’s most prominent Shia cleric withdrew his support. USIP’s Sarhang Hamasaeed and Elie Abouaoun discussed where the crisis could lead.

Type: Analysis and Commentary

Democracy & Governance

Engaging the Post-ISIS Iraqi Religious Landscape for Peace and Reconciliation

Engaging the Post-ISIS Iraqi Religious Landscape for Peace and Reconciliation

Tuesday, November 26, 2019

By: Ann Wainscott

Religious actors in Iraq wield considerable influence, and Iraqis perceive them as playing an important role in moving the country toward peace. This report analyzes the influence of Iraq’s religious actors—who has it, why they have it, and how they exercise it—to illuminate their crucial role in supporting peace and reconciliation efforts and to help policymakers and practitioners understand how to engage them in efforts to advance peace.

Type: Peaceworks

Reconciliation; Religion

As Protests Continue in the Street, Iraq Reaches a Crossroads

As Protests Continue in the Street, Iraq Reaches a Crossroads

Friday, November 8, 2019

By: Sarhang Hamasaeed

Tens of thousands of Iraqis have been protesting in Baghdad and southern provinces against the failure of the Iraqi government and the political class in delivering basic services, providing jobs, fighting corruption, and more. Iraqi security forces and armed groups reportedly linked to Iran have used lethal force in response to the protests, leaving over 260 dead and over 10,000 injured. As the protests have progressed, demands have expanded to include calls for regime change, the resignation of Prime Minister Adel Abdul Mahdi, early elections, pushing back against Iranian influence, and accountability for killing peaceful protesters.

Type: Analysis and Commentary

Democracy & Governance; Fragility & Resilience

View All Publications